الحكيم الترمذي
100
كيفية السلوك إلى رب العالمين
فاعلم أن كتاب اللّه وعترتي لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ، بأن يعصمهم اللّه حتى لا يقعوا في الأهواء فيتفرّقوا ويكونوا شيعا ، وهذه النعمة - بحمد اللّه - ظاهرة عليهم إلى يومنا هذا ، إنهم أينما كانوا من بلدان المسلمين تراهم المتقدّمين على الخلق خلقا وأدبا وسماحة وتديّنا ونزاهة ، وكل مكرمة وخلق من معاني الأخلاق موجودة فيهم على السبيل والسنّة في ظاهر الشريعة ، ففضلهم ظاهر بيّن ، وحفظ رعايتهم على المسلمين واجبة . وأما التفقّه في الدين ، والدخول في نوازل الناس وفتياهم فإنهم بمعزل ، فرأى أمر الأمة في هذا ، إنما يدور على من سمّينا من الصحابة والتابعين ، وقد ذهب بتأويل هذا الحديث إن كان محفوظا ، قوم من هؤلاء فهم يتولّون بزعمهم عترته ، ويجعلون طاعتهم مفترضة ، وهم إلى أعناقهم في الريبة والمعاصي والفساد ، ويجعلون الطاعة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مفترضة لولد بعد ولد ، ويجعلونها كالميراث الواحد بعد واحد من أن يكون له في ذلك أثر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بتسميته أحد ، وإنما هو يخبر الرجال بأهوائهم ، فلو أحدث أحد منهم بإقامة هذا القول لوجدته يتكلم كلام أهل العتاهة ؛ لأنه مرة يذهب إلى الصحة والديانة ، فيجعل الحق له في الطاعة ، ومرة إلى السنّة ، وهذه أهواء وزيغ . واحتجّوا بقول اللّه عزّ وجل : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [ النساء : 59 ] ، فقالوا : أولوا الأمر بعد الرسول صلى اللّه عليه وسلم علي رضي اللّه عنه ، ثم من بعده ابنه الحسين ، ثم من بعده علي ابنه ابن الحسين ، وبعده محمد بن علي ، ثم من بعده جعفر بن محمد ، فإنما افترضت طاعتهم بكتاب ، فهؤلاء الزائغون المفتونون يطيعون عليّ جميع أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم من الصحابة والتابعين وجميع علماء المسلمين . وهذا علي بن الحسين يجاثي العلماء بركبتيه من التابعين ، ويتعلّم منهم ، وقيل : الحسين ابن علي - رضي اللّه عنه - وعلي ابنه فتى صغير ، فمتى صارت طاعته مفترضة ، وأجمعت الأمة على أبي بكر رضي اللّه عنه واستخلفوه ، فأين كان عليّ رضي اللّه عنه ولم يتابعهم على ذلك ؟ وكيف قارهم على هذا الجور وترك حقه ؟ وكيف قام بذلك في زمان معاوية ، وتركه في زمان أبي بكر وعمر - رضي اللّه عنهم - وعن جميع أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ فهؤلاء المفتونون كلامهم كالهذيان ، لا يرجعون إلى كلام فنسميه كلام الأصحاء .